الشخصية
أولا من الدلالات إلى الإشكالية:
1) الدلالة العامية المتداولة:
تنقسم الشخصية عند العامة إلى قسمين: أولهما المظهر الخارجي و يتمثل في المال و الجمال و العلم و الانتماء العرقي السلالي... و ثانيهما القدرة على فرض وجود الذات بالتأثير في المحيط الاجتماعي...
وبهذا المعنى فالشخصية قد تحضر وتغيب، كما أنها قد تزيد وتنقص. لكن هل صحيح أن هناك من له شخصية وهناك من لا شخصية له فيما بيننا ؟ ثم هل صحيح كذلك أن الشخصية قد تزيد وتنقص؟
2) الدلالة اللغوية:
في اللغة العربية :
اشتقاقا : تشتق كلمة شخصية من فعل شَخَصَ وشَخَّصَ: وشَخَصَ الشيء إدا برز و اتّضح و ظهر و بان، وشَخَّصَ الشيء إدا جسّمه وجسّده و مثله ...
اصطلاحا: الشخصية في الاصطلاح العربي هي مجموعة من السمات والخصائص والصفات الفكرية و السلوكية و الوجدانية التي تخص فردا بعينه وتميزه عن غيره : فشخصيتك هي ما يخصك و يميزك عن غيرك.
في اللغات الغربية:
اشتقاقا: تشتق كلمة ( personnalité)الفرنسية من الكلمة اللاتينية(Persona) و التي لها معنيان :
عند اليونان: معناها القناع (le masque)الذي يرتديه الممثل فوق الخشبة. و بهذا تكون شخصيتنا مجرد قناع نظهره للغير في الوقت الذي يخفي فيه حقيقة أنفسنا عن هدا الغير.
عند الرومان: معناها الدور(le rôle) الذي يلعبه الممثل فوق الخشبة. و هنا تصبح الشخصية وظيفة نؤديها.
اصطلاحا: يتبين مما سبق كما لو أن الحياة عبارة عن خشبة مسرح و الناس عبارة عن ممثلين و شخصياتهم عبارة عن أقنعة و أدوار ...
3) الدلالة السيكولوجية (النفسية):
حينما نقف على ماهية الشخصية من الناحية السيكولوجية فالهدف عندنا هو أن نعرف موقف أهل الاختصاص وهم علماء النفس . ولكن تعريف الشخصية في علم النفس ليس بالأمر الهين أو الجاهز, فهذا عالم النفس الأمريكي كوردن ألبورت Gordon Allportأحصى ما بين سنتي 1937-1949 أزيد من 50 تعريفا للشخصية في علم النفس. ونحن سنحاول أدناه أن نقارب مفهوم الشخصية من الناحية السيكولوجية عند عالمين فقط و هما كما يلي :
أ- فيلو Filloux: و هو يرى بأن «الشخصية واحدة وخاصة بفرد رغم ما يشترك فيه من سمات مع الآخرين , وهي ليست مجرد مجموعة من الوظائف وإنما هي تنظيم وسعي لإدماج تلك الوظائف كما أنها محددة زمنيا لارتباطها بفرد له تاريخ ، كما أنها أسلوب في العيش يتجلى عبر وبواسطة سيرة الفرد...»
نفهم من قولة فيلو هاته بأن الشخصية واحدة وخاصة بفرد ما وأننا من خلال الشخصية نشترك مع الغير في بعض السمات والصفات ونختلف عنهم في البعض الآخر منها . ويضيف أيضا بأن الشخصية تنظيم للوظائف وأنها محددة في الزمان إذ لها بداية ونهاية نظرا لارتباطها بفرد له تاريخ , وأنها طريقة أو نمط يعتمده المرء في العيش.
ب- كوردن ألبورت Gordon Allport: و هو يرى بأن الشخصية هي « التنظيم الدينامي للأنظمة السيكوفيزيولوجية التي تحدد تكيف الفرد بشكل أصيل مع محيطه». و بهذا تكون الشخصية عبارة عن تنظيم ديناميكي للأنظمة و للوظائف البيولوجية و السيكوفيزيولوجية التي تضمن للفرد توافقه و انسجامه السوي مع محيطيه الطبيعي و الاجتماعي ...
4) الدلالة الفلسفية:
هنا مرة أخرى يمكن القول بأن مفهوم الشخصية يعرف عدة تعريفات تتقارب فيما بينها حينا، وتتباعد حينا آخر. وسنحاول أدناه أن نقتـرب من ماهية الشخصية من الناحية الفلسفية بالوقوف على تعريفين فلسفيين فقط : أولهما لكانط Kant وثانيهما لهيكل Hegel .
أ- مع كانط Kant:
«إن الشخص هو الذات التي يمكن أن تنسب إليها مسؤولية أفعالها ، والشخصية الأخلاقية ليست شيئا آخر غير حرية كائن عاقل في حدود ما تسمح به القوانين الأخلاقية , في حين أن الشخصية من الوجهة السيكولوجية ليست إلا قدرة شخص على الوعي بما هو تابث في وجوده خلف الحالات المختلفة لهذا الوجود».
و كانط من خلال هده القولة يميز بين الشخص من جهة و الشخصية من جهة أخرى . فأما الشخص فهو الذات المسؤولة عن أفعالها أي الجانب المادي في الكائن الإنساني المسؤول قانونيا عن كافة سلوكاته القولية و الفعلية . و أما الشخصية في تصورها الأخلاقي فترتبط عند كانط بالحرية و العقل والمسؤولية . وأما من الناحية السيكولوجية فتتمثل الشخصية في القدرة على الوعي في الوجود بالتا بث وراء المتحول ...
ب- مع هيكل Hegel:
«الشخصية لا تبدأ إلا حين تعي الذات نفسها لا كمجرد أنا محسوسة ومحددة كيفما اتفق وإنما باعتبارها أنا مجردة تجريدا خالصا».
و الشخصية حسب هدا التصور الهيجلي لا تبدأ بالظهور إلا في سن الرشد والقدرة على التمييز أي سن التعقل . و بهذا تكون الشخصية عند هيكل مشروطة بالوعي والعقل كما أنها مرتبطة بالأنا لا ككيان مشخص بل ككيان مجرد أي بما هو غير قابل للإدراك الحسي فينا , أي بالجانب المعنوي في الإنسان .
5) مفارقات وتساؤلات إشكالية:
يعتبر مفهوم الشخصية مفهوما جد شائك على اعتبار أن له دلالات عدة ومتباينة بتعدد وتباين وجهات النظر إليها بين ما هو عامي و ما هو علمي أو ما هو فلسفي وما هو سيكولوجي أو سوسيوثقافي… وأهم التساؤلات الإشكالية التي يثيرها مفهوم الشخصية يمكن حصرها فيما يلي : شخصيتنا أهي فطرية أم مكتسبة؟ أهي واحدة أم متعددة ؟ أهي ثابتة أم متغيرة ؟ ثم ما علاقتها بالأنا من جهة وبالغير من جهة ثانية؟ أهي من صنع الأنا أم من صنع النحن ؟ شخصيتنا أهي ملك يميننا أم هي ملك غيرنا؟ أنحن مخيرون فيها أم مسيرون بها؟ أنحن أسياد عليها أم عبيد لها ؟ ثم كيف و مماذا و متى تنبني شخصيتنا؟ وما علاقتها بالآنات الثلاث للزمن : الماضي والحاضر والمستقبل؟ وما المراد بالصحة و الاتزان النفسي؟ ثم ما المراد بالاختلال أو المرض النفسي؟ وكيف يمكن اتقاء هدا الخلل النفسي؟ ... الخ. تلك وغيرها هي إشكالية هذا الدرس.
ثانيا الشخصية وأنظمة بنائها :
تحت هذا العنوان نريد مقاربة التساؤلات الآتية: ماهي الشخصية؟ وما هي أنظمة بنائها ؟ أو بتعبير آخر متى وكيف ومماذا تنبني شخصيتنا؟
للجواب على هذه التساؤلات سنعرض أدناه لثلاث أطروحات : أولاها الأطروحة الفلسفية (ونمثل لها بروني ديكارت) وثانيتها الأطروحة السيكولوجية (ونمثل لها بسيكموند فرويد) وثالثتها الأطروحة السوسيوثقافية (ونمثل لها برالف لينتون) , فما هو تفصيل دلك ؟
1- الأطروحة الفلسفية : نموذج ديكارت Descartes (1596 – 1650).
النص رقم: 1 من نصوص الاستثمار, ص :137 ,عنوانه :الذات المفكرة , صاحبه: روني ديكارت.
حاول ديكارت الجواب على سؤال جوهري وهو: من أكون؟ أو من أنا؟ ليلاحظ بأنه إنسان ، ولكن من يكون الإنسان ذاته؟ أنعتبره حيوانا ناطقا؟ ديكارت لم يقبل بهذا الحل لأن به سينزلق من البحث في مسألة واحدة (و هي : ما الإنسان؟) إلى البحث في مسألتين معقدتين ( و هما : ما الحيوان؟ وما الناطق؟) وفي هذا مضيعة لوقت ثمين . و هكذا يبقى السؤال المطروح هو ما الإنسان؟
للجواب على هذا السؤال عكف ديكارت على ذاته يتأملها إذ هو يفضل معرفة نفسه بنفسه. وحين تأمله لوجوده وكيانه لاحظ بأنه عبارة عن جسم ونفس . هكذا إذن يكون الإنسان كائنا مزدوج المكونات (الجسم والنفس). ولكن ما هو الجسم؟ وما هي النفس؟ وفيما يلتقيان؟ وبماذا يتميزان عن بعضهما؟... فأما الجسم فهو جهاز مركب من عدة أعضاء وله شكل وحدود، وهو ذو طبيعة مادية ومن ثم فهو قابل للإدراك الحسي . وأما النفس فهي على العكس من ذلك كيان بسيط لا شكل ولا حدود لها ، كما أنها ذات طبيعة روحية ومن ثم فهي غير قابلة للإدراك الحسي . ولما لاحظ ديكارت بأن هنالك خصائص للإنسان كقدرته على الحركة والتغذي والإحساس والتفكير بحث عن مصدر هده الخصائص ليتبين له أن لا الجسم وحده قادر ولا النفس وحدها قادرة على المشي والتغذي والإحساس إذ أن هذه الخصائص من الصفات المشتركة بين الجسم والنفس معا . ولاحظ ديكارت في الوقت ذاته أن النفس تنفرد عن الجسم بالتفكير(الكوجيطو: أنا أفكر إذن أنا موجود). وهكذا يكون التفكير - حسب ديكارت- أميز ما يميز النفس عن الجسم بل و أميز ما يميز الإنسان عن الحيوان إذ هو أساس وجوده و ليس فقط تفرده.
نستنتج مما سبق بأن الإنسان أو الأنا- حسب ديكارت - عبارة عن جسم ونفس وهما كيانان مختلفان من حيث طبيعة و وظيفة كل منهما ولكنهما ضروريان للإنسان، فالإنسان إذن جسم أي ذات ونفس أي تفكير وبهذا يكون الإنسان ذاتا مفكرة. ولكن حينما نقول بأن الإنسان ذات مفكرة نقول في الوقت ذاته بأنه ذات واعية على اعتبار أن التفكير وعي وهدا يعني ربط الأنا بالوعي والعقل والشعور، ولكن هل الأنا مجرد وعي وعقل وشعور؟
| Décembre 2009 | ||||||||||
| L | M | M | J | V | S | D | ||||
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | |||||
| 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | ||||
| 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | ||||
| 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | ||||
| 28 | 29 | 30 | 31 | |||||||
|
||||||||||