Samedi 30 août 2008

الغير



I.    وجود الغير :

 

1) في الفلسفة اليونانية :

طرحت الفلسفة اليونانية إشكالية الغير أو بالأصح الآخر طرحا وجوديا ( أنطولوجيا Ontologique) ميتافيزيقيا Métaphysique وذلك من خلال مفهومي الهوية Identité أو الذاتية أو المطابقة ( العينية ) من جهة والاختلاف أو المباينة أو التمايز( الغيرية ) من جهة ثانية . فقد كان هيراقليطس ( 540-475 ق.م ) يرى بأن « الأشياء في تغير متصل » ف« أنت لا تنزل النهر الواحد مرتين إذ أن مياها جديدة تجري من حولك أبدا » بل« نحن ننزل النهر ولا ننزل (من حيث أن مياهه تتجدد بلا انقطاع ) ونحن موجودون وغير موجودين ( من حيث أن الفناء يدب فينا في كل لحظة ) » « فالشقاق أبو الأشياء وملكها»  ومعنى هذا أن التغير والتمايز والاختلاف شريعة الوجود  إذ أن ذاتية الشيء وما به هو هو تتغير باستمرار و  من ثم فلا وجود لهوية أو ماهية أو خصائص ثابتة : فالأنا هو في الوقت ذاته لا أنا أو آخر والآخر هو في الوقت ذاته لا آخر .

وعلى العكس من هيراقليطسر ركز بارمينيدس ( 549- ؟ ق . م ) على أن الوجود وحدة وتجانس وسكون « فالوجود موجود و اللاوجود ليس موجودا» والمراد أن الشيء الواحد هو هو, أي هو ذاته ( مبدأ الهوية  Principe d'identité) ولا يمكن أن يكون هو غيره ( مبدأ عدم التناقض  Principe de non contradiction) فالشيء الواحد يظل واحدا في ذاته وصفاته مطابقا لنقسه مفارقا لغيره مخالفا له .

 ونفس هذا الموقف سيتبدى في فلسفة أرسطو التي ترى بأن كل موجود - بما في ذلك الإنسان نفسه - يكون بالنسبة إلى ذاته هو هو ( Le même) أي مطابقا لها ويكون بالنسبة إلى الغير آخر (L'autre) أي مخالفا له.

ولكن الآخر في الفلسفة اليونانية لم يتخذ دوما صورة أنا آخر لأن التقابل الذي أسسته هذه الفلسفة كان بين الإنسان من جهة والعالم من جهة ثانية , الشيء الذي جعل الآخر يكون أي شيء غير الأنا ( إلها , طبيعة ,إنسانا )  وليس بالضبط ذاتا إنسانية أخرى ، ولذا كان الأجدر مع اليونان أن نتحدث عن الآخر لا عن الغير ...

 

2)في الفلسفة الحديثة والمعاصرة :

 

أ - مع ديكارت :

يتبدى الموقف الديكارتى من وجود الغير ( الآخر )  من خلال الكوجيطو (Le cogito) « أنا أفكر ، أنا موجود » إذ أن الأنا الديكارتي هنا يعيش عزلة أنطولوجية عن الغير حينما يضع نفسه كأنا مفكر لا شك في وجوده مقابل الآخر ( الله والعالم والإنسان ) القابل للشك بل والمشكوك في وجوده أصلا . ومن هنا يكون " الأنا أفكر " هو الحقيقة الوجودية اليقينية الوحيدة والتي لا يسع العقل السليم إلا أن يؤمن بها بكل بداهة ووضوح في حين أن وجود الغير ( الآخر) - حسب هذه الذاتية العقلانية الديكارتية – يظل متوقفا على حكم العقل واستدلالاته . ومن هذا نستنتج بأن  "الأنا أفكر" الديكارتي أنا وحدوي موجود ( أنا وحدية Le solipsisme) أنا موجود ليسر فقط قبل وجود الآخر بل و في استغناء عنه بل أكثر من ذلك  إن هذا الغير هو الذي في حاجة إلى الأنا لوجوده ، وفى هذا يقول ديكارت : « كيف أجد في ذاتي أنا الحجج والأدلة على وجود الغير, والحال أن إدراك وعي آخر من طرف وعيي أنا ، ينافى معنى الوعي بوصفه حضورا للذات إزاء نفسها؟».

ومن الانتقادات الموجهة إلى الموقف الوجودي - الذاتي - العقلي - الديكارتي هذا نذكر تجاوزا  ما يلي :

v المصادرة على المطلوب : ويتمثل هذا في كون ديكارت عوض أن يثبت وجود الأنا ( كمطلب أساسي)   فإنه يلتجئ إلى التسليم بوجودها من  خلال قوله « أنا أفكر ,  أنا موجود » فهو هنا لا يثبت وجود الأنا بقدر ما يسلم  بوجودها ( أي يصادر عليه ).

v أن " الأنا أفكر" لا بد له من أن يفكر في شيء (موضوع أو كائن ما ) وهذا الشيء أو الموضوع أو الكائن أسبق في الوجود بالضرورة المنطقية ممن يفكر فيه و بالتالي فإن وجود المفكر فيه ينفي عن المفكر أسبقيته في الوجود . وفى هذا  يقول مارسيل « لا أملك إدراك نفسي كموجود إلا من حيث أنى أدرك نفسي أنني لست الآخرين , أي أني غيرهم، وأذهب إلى أبعد من هذا فأقول إن من ماهية الغير أن يوجد,  ولا أستطيع أن أدركه بوصفه غيرا دون أن أفكر فيه بوصفه موجودا, والشك لا ينبثق إلا بقدر ما تضعف هذه الغيرية في ذهني ».

 

ب  مع هيجيل :

وعلى العكس من الموقف الديكارتي الذاتي يرى هيجل بأن الوعي ( الفكر/ العقل ) – ومن خلاله الأنا - ليس كيانا ميتافيزيقيا مجردا ثابتا مطابقا لذاته مستقلا بها عن غيره ومعطى جاهزا وتاما منذ البدء , بل الوعي عند هيجل كيان يتكون وبنمو و يتمظهر ويتجلى في المعيش اليومي باستمرار انطلاقا من الوجود الطبيعي الحيواني للإنسان إلى أن يصل أعلى درجات التطور ( المطلق ) عبر مختلف لحظات الصيرورة الزمكانية - التاريخية ...

فحين يكون الإنسان مرتبطا بإشباع  رغباته البيوفيزيولوجية مباشرة من الطبيعة يكون في الوقت نفسه مجرد جزء لا يتجزأ منها بحيث أن وعيه لذاته حينما يكون منغمسا في الحياة العضوية - الحيوانية , ذا وجود لذاته بسيط للغاية . وحتى يتأتى له تجاوز هذا الوضع الأولي المعطى عليه أن يسعى إلى انتزاع الاعتراف به من طرف الآخر ( الغير ). ولكن انتزاع الاعتراف هذا ليس بالأمر الهين خاصة وأن الأنا والآخر معا يرغبان فيه , ومن هنا فإن تحقيقه يتطلب الدخول في منافسة و صراع جدلي Dialectique يغامر فيه الطرفان معا ( الأنا والآخر ) بحياتيهما , إذ أن كلا منهما سيقدم نفسه إلى الآخر كما لو كان غير متشبث بالحياة رغبة منه في جر الآخر واستدراجه إلى التخلي عن مواجهته واللجوء إلى الاعتراف به . و لكن هذا الصراع لا يمكن أن يستمر إلى مالا نهاية من جهة كما لا يمكن أن ينتهي بموت أحد الطرفين من جهة أخرى وذلك لسببين على الأقل: أولهما أن وراء إظهار المخاطرة بالحياة هناك غريزة حب البقاء والحفاظ على الذات , و الدليل عليها رغبة كلا الطرفين في إثبات وجوده وتحقيق وعيه لذاته.  وثانيهما أن موت أحد الطرفين سيحول دون تحقيق الهدف المنشود من وراء هذا الصراع ألا وهو انتزاع الاعتراف بالأنا من طرف الآخر ( الغير ). إذن لا بد من أن ينتهي هذا الصراع بتفضيل أحد الطرفين للحياة على الموت , وحينها سيستلم للآخر و يعترف به . وبهذا تنشأ العلاقة الإنسانية الأولى : علاقة السيد بالعبد , الأول مستقل بذاته موجود من أجلها والثاني تابع للأول وموجود من أجله .

ومن هذا نستنتج - مع هيجل - بأن لا وجود للأنا ( وعى الذات ) والغير ( وعى ذات آخر ) في استقلال عن بعضهما . إذ أن الأنا والآخر ينبثقان من علاقتهما ببعضهما وليس قبلها . ومعنى هذا أن الأنا لا يكون أنا إلا بالعلاقة مع الغير( أنا الآخر ) وإن كانت هذه العلاقة علاقة صراع وحرب . فوجود الغير إذن وجود ضروري لوجود الأنا ولا يمكن اعتباره وجودا جائزا وبالأحرى قابلا للشك كما ادعى ديكارت . وفى هذا يقول هيجل « فبما أن كلا منهما من أجل ذاته فليس هو الآخر . ولكن كلا منهما يظهر في الآخر  ولا وجود له إلا بوجود الآخر » .

ونفس هذه النتيجة ينتهي إليها سارتر رغم اختلاف تصوره  للعلاقة مع الغير عن التصور الهيجلي يقول سارتر « لكي أتوصل إلى حقيقة كيفما كانت حول ذاتي, لا بد لي أن أمر عبر الآخر ( الغير). إن الآخر لا غنى عنه لوجودي , كما لا غنى لي عنه في معرفتي لنفسي » ولكن إذا كانت معرفة الأنا لذاته  تمر عبر الغير ، فهل معنى هذا أن معرفة الغير ممكنة ؟

 

II.                       معرفة الغير:

المعرفة على العموم علاقة رابطة بين ذات تتوخى المعرفة وموضوع تراد معرفته, علاقة تتمثل في فاعلية عقل الذات العارفة (Sujet épistémique) تجاه موضوع المعرفة (Objet de la connaissance) حيث يشكل الموضوع - ماديا كان أو معنويا - مجال النشاط الفكري الإدراكي للذات . فالموضوع إذن ينتصب ككيان / كشيء منفصل عن الذات مقابل لها بل إنه نقيضها : إذ تتصف الذات كأنا بالوعي والحرية والإرادة و القصدية و التلقائية والفعالية ... في حين أن الموضوع فاقد لهذه المميزات والخصائص كلها. وإذا كان المراد معرفته هنا هو الغير ( الأنا الآخر ) فهل هو قابل للمعرفة بهذا المعنى أم لا ؟ هل يمكن اعتبار الغير كمجال للنشاط الإدراكي للذات العارفة موضوعا تنتفي عنه صفات الذات هاته من وعي و حرية و إرادة و قصدية و تلقائية و فعالية ...؟ إن نحن أجبنا بالإيجاب فكيف ذلك ؟ و إن كان جوابنا بالسلب فلماذا ؟ و كيف السبيل إلى معرفته ؟

 

1 ) موقف سارتر :

وخلاصته أن معرفة الغير ليست بالأمر المستحيل كما أنها ليست بالأمر الهين إذ هي من الصعوبة بمكان, كما أنها ليست موضوعية بل ذاتية , فما تفصيل ذلك إذن ؟

 في البدء يعرف سارتر الغير بأنه هو الآخر أو الأنا الآخر أي الأنا الذي ليس أنا . وبين الأنا وما ليس أنا هناك ال " ليس"  كنفي يشير إلى العدم , عدم يفصل بين الأنا والغير , عدم يتمثل كهوة لا تعبر , هوة ذات طابع مادي واقعي مكاني (جغرافي) يقاس بالأمتار والكيلومترات أو ذات طابع معنوي نظري فكري (ثقافي) يقاس باختلاف الرؤى و الأفكار والتصورات ... هذا بالإضافة إلى أن الغير يتبدى للأنا مثلما أن الأنا يتبدى للغير كجسم مادي محسوس أي كشيء يدرك شأنه شأن سائر الأجسام / الأشياء .

والنتيجة الخطيرة التي تنحدر منطقيا عن مثل هذا الافتراض هي أن كينونة الأنا لا ينبغي أن تتأثر وتنفعل بكينونة الغير و العكس بالعكس تماما مثلما هي علاقة سائر الأشياء بعضها ببعض. فإذا كانت الطاولة لا تفرح لميلاد الكرسي وهذا لا يحزن لاختفاء الطاولة فإن على الأنا ألا يتأثر لظهور أو اختفاء الغير والعكس صحيح . وبهذا المعنى تصبح علاقة الأنا بالغير لا علاقة إنسانية - بالمعنى المتداول - بل علاقة لاإنسانية ، علاقة حياد أو بالأصح علاقة تشييئية معها يتحجر الأنا تحت نظرة الغير ويتحجر الغير تحت نظرة الأنا , هكذا إذن يصبح كل منا ( الأنا والغير) بالنسبة إلى الطرف الثاني موضوعا تحت المراقبة و المحاسبة والملامة و لربما العقاب . وبهذا المعنى نفهم قولة  سارتر المدوية : « الجحيم بالنسبة لي هم الآخرون » .

وهكذا نصل - حسب سارتر - إلى أن معرفة الغير لا تنبني على ما هو عليه كذات تتمتع بالحرية والإرادة و الاستقلالية و الوعي  والفاعلية والعفوية والقصدية ... بل تنبني على كيفية تصور الأنا لهذا الغير كموضوع معطى للإدراك  الحسي .

وهذا يعنى أن الغير كصورة في ذهني ليس نسخة طبق الأصل الموجود بالفعل أي ليس هو ما هو  في الواقع بل هو صورة من رسم الأنا , صورة ملؤها الانطباعات الحسية للذات العارفة , صورة مطبوعة بالذاتية Subjectivité . وفي هذا يقول سارتر : «.. علي أن أكون الغير بوصفه تلك الوحدة التي أضفيها بتلقائيتي ( حساسيتي وإدراكي ) على كثرة متنوعة من الانطباعات الحسية , أي أنني أنا الذي أكون الغير ضمن حقل تجربتي . ولن يكون الغير حيننذ , سوى صورة ( ذهنية ) ...» من وحي الأنا.

 

2)  موقف ميرلوبونثي :

ينطلق ميرلوبونثى في عرض موقفه برفضه لموقف سارتر من علاقة الأنا بالغير مركزا على أنها - في اعتباره - ليست علاقة بين أشياء أو موضوعات بل هي علاقة بين أحياء أو ذوات . ومن ثم فإن نظرة الأنا للغير - والعكس بالعكس - لا يمكن في نظره أن تشل فاعليته وتحد من حريته وتميت تلقائيته وتقضى على إرادته... إلا إذا تقوقع الأنا حول نفسه كذات مفكرة و غض الطرف عن كل ما هو إنساني فيه وأحل الغير كموضوع تحت المجهر شأن فعل العالم إزاء الحشرة في المختبر. فهل الإنسان حشرة أو مجرد شيء ؟ وهل تتم معرفته كما تعرف سائر الأشياء ؟ ثم هل تتحدد إنسانية الإنسان وتتحقق معرفته بذاته وبغيره بالفكر وحده ؟

جوابا على هذه الأسئلة وغيرها  يورد  ميرلوبونثى مفهوم أو عملية التواصل كظاهرة إنسانية بامتياز , من خلالها وحدها يتمكن الأنا من إدراك الغير - والعكس بالعكس - إدراكا يمر عبر التفهم والتقبل الوجداني العاطفي ذي الطابع الإنساني وليس عبر التحليل والتركيب العقلي الفكري الجاف . فالتواصل المبنى على أساس التعاطف هو وحده الكفيل بخلق التعارف بين الأنا والغير و بين الغير والأنا . ومن هنا فإن الغير بالنسبة للأنا - حسب ميرلوبونثي - يبقى مجهولا ومن ثم متعاليا عن إدراكي ما دام « لم ينبس بعد بكلمة ... لكن ما أن ينطق بكلمة حتى يكف عن التعالي علي : هو ذا صوته وهى ذي أفكاره , هو ذا المجال الذي كنت أعتقد أنه يستعصى علي بلوغه. فلا يعلو كل وجود معين على الآخرين بصورة نهائية إلا حين يبقى عاطلا » أي حين يبقى بعيدا عن الدخول مع الغير في علاقات تواصل , علاقات الاعتراف المتبادل بكل منهما في فرديته وحريته كأنا قائم بذاته ...

 والذي نخلص إليه من هذا هو أن هنا كذلك تكون معرفتنا بالغير معرفة ذاتية إذ أنها تتأسس على مشاعر وأحاسيس الأنا تجاه الغير ,  أي على مدى التعاطف الوجداني أو التنافر العاطفي القائم بينهما . ذلك أنه بقدر معايشة الغير والتعاطف والتواصل معه يكون تفهمه والتعرف عليه.

 

3 )موقف شيلر :

وهو موقف أطلق عليه شيلر نفسه « اسم " المذهب الإنساني " أو " المذهب الإرادي " كما أسماه بعدئذ. ولقد كانت فكرته الرئيسية هي أن جميع المناشط الإنسانية لا تصاغ  و لا تفهم إلا بالرجوع إلى الأهداف الإنسانية , وأن ذلك ليصدق على التفكير صدقه على الفعل » .  فإذا كانت علاقة الأنا بالغير علاقة صراع وحرب حسب هيجل , أو علاقة حياد ولا مبالاة حسب سارتر , أو علاقة تواصل وتعاطف وجداني حسب ميرلوبونثى فإن هذه العلاقة حسب شيلر تعرف صعوبة في التحديد نتيجة اعتياد الأنا على اعتبار الغير مجموعة حركات و سلوكات جسمية ظاهرة وكذا مجموعة مشاعر وأحاسيس نفسية خفية . ومن آثر الوقوف على هذه الثنائيات ( جسد / نفسر , ظاهر / باطن , سلوك / مشاعر, سطح / عمق ,خارجي / داخلي , صريح / ضمني ...)  لن يستجلي حقيقة الغير كما هي في الواقع.  بل سيتيه فيما سيتصوره من مفارقات ناتجة عن هذه الثنائيات ذاتها.

والحل الذي يقترحه علينا شيلر هو اعتبار الغير كلية (Une totalité) لا تقبل التجزيء فهو إذن كل موحد لا يتبعض إلى ثنائيات ,  ومن ثم فإن مختلف سلوكاته  الجسدية (أفعاله و أقواله) حاملة لمقاصده ونواياه النفسية ودالة عليها , فلا داعي إذن إلى اللجوء إلى الاستبطان (Introspection) أو الإستدلال بالمماثلة (Raisonnement par analogie) لمعرفة الغير وفهمه بل يكفى أن نعتبر الغير « موضوعا يكون في ذات الوقت في متناول الإدراك الخارجي والإدراك الداخلي: والواقع أن هذين المحتويين يتعلق أحدهما بالآخر ويترابطان برباط جوهري يستمر ويبقى حتى حين أحاول أن أدرك نفسي ».

وهكذا فالجسد والنفس لا يشكلان ثنائية (كما هو الأمر عند ديكارت) فبالأحرى ضدين بل هما معا شيء أو كيان واحد يعتبر الجسد شقه الخارجي والنفس شقه الداخلي وهما (أي الشقان معا)  منسجمان متسقان لا تباين بينهما . ولكن السؤال الذي يظل مطروحا هو: إلى أي حد يمكن اعتبار الجسد من خلال مختلف حركاته وعلاماته مرآة صادقة وأمينة تعكس مشاعرنا النفسية الدفينة دون حيف أو زيف ؟ ألا يمكن للغير أن يسئ التعبير أو للأنا أن يسئ الفهم ؟

 

4 ) موقف دولوز :

وفى نفس هذا الإطار الرامي إلى تجاوز هذه  الثنائيات يرى جيل دولوز بأن الغير ليس مجرد فرد مشخص بعينه بل الغير بنية (Structure) أي نسق  منظم من العلاقات والتفاعلات في ما بين الأشخاص / الأفراد كأغيار. وهكذا ففي اعتقاد دولوز « يكمن خطأ النظريات الفلسفية في كونها اختزلت الغير تارة إلى موضوع جزئي وتارة إلى ذات... لكن الآخر ليس موضوعا في حقل إدراكي الحسي , ولا ذاتا تدركني إدراكا حسيا : إنه أولا بنية الحقل الإدراكي , لولاها لما أمكن لهذا الحقل أن يشتغل كما يشتغل بالفعل » . فأنا - مثلا - حينما أدرك الأشياء المحيطة بي لا أستطيع إدراكها كلها من جهة ومن كافة جوانبها من جهة ثانية. وهذا يفترض أن هناك آخرين ( أغيار) يدركون ما يتعذر علي إدراكه وإلا بدت هذه الأشياء وكأنها تنعدم حين لا أدركها وتعود إلى الوجود حين أدركها , وهذا مستحيل . إذن لا بد من وجود الغير لا كذات أو كموضوع بل كشريك لي في إدراك الأشياء ( العالم ) , فهو يوجد كهامش على مجال إدراكي , هاش يحيط بالممكن الإدراكي في مقابل الأنا الذي يحيط بالمدرك الفعلي . وبهذا يكون الممكن الإدراكي تخيليا حين يغيب الغير عن مجال إدراكي وفعليا أثناء حضور الغير وخاصة في وجهه : « فالممكن الإدراكي بالقياس إلى المدرك الفعلي , هو الذي يحدد مفهوم الغير كبنية ».

من هذا كله نستنتج بأن معرفة الغير ليست بالأمر الهين إذ أنها لا يمكن أن تختزل إلى مجرد علاقة ذات بموضوع كما هي علاقة العالم بباقي ظواهر العالم . بل هي علاقة جد معقدة إذ يتخللها النفسي والاجتماعي, الفردي والجماعي, الوجداني والعقلي, الاقتصادي والسياسي...  ومن هنا نفهم قولة كارل ماركس « الإنسان هو مجموع العلاقات التي يدخل فيها » وهذه العلاقات تتعدد وتتنوع بتعدد وتنوع الغير ذاته. ومن أوجه العلاقة مع الغير نجد الصداقة والغرابة . فما المراد بهما ؟

 

Par PROFESSEUR
Ecrire un commentaire - Voir les commentaires - Recommander
Retour à l'accueil

Publicité

Présentation

Texte Libre

Recommander

Recherche

Calendrier

Novembre 2009
L M M J V S D
            1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30            
<< < > >>

Créer un Blog

 
Créer un blog sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur - Signaler un abus