Samedi 30 août 2008 6 30 08 2008 14:35

الغير



I.    الصداقة والغرابة : وجهان لعلاقة الأنا بالغير :

 

1 ) الصداقة:

بفضل الصداقة ( Amitié ) يصبح الغريب قريبا , إذ أن الصداقة علاقة ايجابية مع الغير؛ علاقة تستقي ماهيتها من دلالة كلمة صداقة ذاتها . فهي تشتق - في اللغة العربية - من الصدق الذي يعنى الحقيقة والصواب وكذا المودة والقوة والكمال. ومنه المثل العربي " صديقك من صدقك لا من صدقك (بتشديد الدال)". و في تعريفه للصداقة يقول الدكتور جميل صليبا في معجمه الفلسفي: « الصداقة علاقة عطف و مودة بين الأشخاص (...) والفرق بينها وبين العشق أن الصداقة متبادلة على حين أن العشق لا يشترط فيه التبادل دائما. ومع أن العشق الإنساني لا يكون على العموم إلا بين الرجل والمرأة, فإن الصداقة قد توجد بين أفراد الجنس الواحد أو بين أفراد الجنسين. أضف إلى ذلك أن الصداقة أصفى من العشق و أقل إثارة منه , و أن العاشق يغار على معشوقه ، و يكره شركة الغير فيه , على حين أن الصديق لا يمنع صديقه من أن يكون له أصدقاء . قال ابن المقفع " إن من علامة الصديق أن يكون لصديق صديقه صديقا " , وأن من علامة الأصدقاء أن يتعاونوا و يتواصلوا و أن يؤدي كل منهم إلى أخيه حقه في الطاعة والنصيحة » .

ولكن لماذا الصداقة ؟ ما السر الكامن وراء علاقة الصداقة هاته ؟ ما الذي يجعلنا نميل إلى بعض الأغيار لنجعل منهم أصدقاء ؟ هل هو جلب المنفعة أم تحقيق المتعة أم غرض آخر غيرهما ؟ هل نختار الصديق لأنه مثيلنا أم لأنه خلافنا ؟  وهل نعتبره هدفا في حد ذاته أم مجرد وسيلة ؟

 جوابا على هذه الأسئلة وغيرها سنعرض أدناه لموقفين اثنين وهما:

 

ا_ موقف أفلاطون :

ويتمثل في اعتبار الصداقة علاقة وجدانية ملؤها المودة والمحبة المتبادلة بين الأنا والغير ,  ومنشؤها حالة وجودية وسطى تتمركز بين الكمال المطلق والنقص المطلق أو بين الخير الأقصى والشر الأقصى : فمن يتصف بالكمال والخير المطلقين (وهو الله أو مثال الخير الأسمى عنده) يكفى ذاته بذاته وليس في حاجة إلى غيره , ومن يتصف بالنقص والشر المطلقين لم يكن في حاجة إلى طلب الكمال والخير ومن ثم لم يكن في حاجة إلى الغير ( الصديق) . أما من كان يتصف بقدر ما من الخير ومعه يعتريه نقص ما فإنه سيسعى لا محالة إلى طلب خير وكمال أسميين , وذلك لسد حاجته إليهما . ومن هنا كانت الصداقة وسيلة الخير / الناقص إلى استكمال نفسه وكان الغير كصديق مكملا للأنا . فنحن نبحث في الصديق عما نتجاوز به النقص الحاصل فينا, فالصداقة إذن رغبة في الكمال و وسيلة لتحقيقه.

 

ب -  موقف أرسطو :

إذا كان أفلاطون قد حدد الصداقة من حيث هي علاقة حب أفلاطوني في كونها وسيلة للسمو الأخلاقي والكمال الروحي فإن أرسطو يرجع في تحديده للصداقة إلى واقعها المعيش كتجربة حياتية يومية ليجد بأنها على الأقل ثلاثة أنواع و هي : صداقة الفضيلة ( الخير ) و صداقة المنفعة ثم صداقة اللذة ( المتعة ) .

فأما في النوعين الأخيرين فإن الأنا لا يحب شخص الصديق ( الغير) بل يحب ما يجنيه من وراء صداقته  من منفعة و متعة, والصداقات التي هي من هذا القبيل دنيئة و واهية إذ تنقضي بانتفاء الحاجة التي تلبيها خاصة وأن هذه الحاجات دائمة التقلب والتغير.

 وأما صداقة الفضيلة (الخير) فهي الصداقة الكاملة - الدائمة. إذ هي صداقة تتوخى تحقيق الخير للأنا وللغير على السواء : عندها تلتقي الأنانية (Egoïsme) بالغيرية (Altérisme) مثلما يلتقيان عند الأم التي تتألم لوجع ابنها كما تتألم  لوجعها . وهذه الصداقة ناذرة نذرة  الفضيلة ذاتها . إذ لو سادت بين الناس لما احتاجوا إلى قاضى يفصل بينهم ولا إلى حاكم يسير أمورهم و لا إلى عسكر يحميهم.

ولكن هل المجتمع الإنساني مجتمع أصدقاء فقط ؟ ألا يوجد فيه غريب بل وحتى غرباء ؟ صحيح أن الغريب غير  ولكن من يا ترى يكون هذا الغير- الغريب ؟

 

2)  الغرابة :

إن المجتمع الإنساني لا يخلو من الغير / الغريب إلا إذا كان مجتمعا قبليا- عشيريا منغلقا على نفسه كما كان حال العرب في الجاهلية أو مجتمع المدينة-الدولة كما عرفته اليونان قبل الميلاد ( نموذج أثينا وسبارتا وغيرهما ) . أما حينما نتحدث عن المجتمع الإنساني بمفهومه المدنى الحديث والمعاصر فإننا لا بد وأن نتوقع وجود الغير ( الغريب) كمكون من مكوناته  بل إن دائرة الصداقة والأصدقاء فيه تكون جد ضيقة ومحدودة بالمقارنة مع جيش الأغيار (الغرباء) اللذين يكونونه .

ولهذا فإن لفظ الغريب (Etranger)  يحتمل عدة دلالات بالقياس إلى الذات الفردية ( الأنا ) من جهة وإلى الذات الجماعية (النحن) من جهة ثانية . فهو - أي الغريب - في معناه العام والمجرد : النكرة والمجهول وغير المألوف والغامض والمخيف والمهمش ... وهو في معناه الإجرائي المشخص: كل من يتطفل على فرد أو جماعة معينة لا تربطه بها أي علاقة محدثا بذلك ضيقا وحنقا لدى الفرد أو خللا وتصدعا لدى الجماعة فيتغير بوجوده شيء من حال الفرد أو الجماعة. فيكون الغريب هنا هو ذلك الدخيل / الدسيس الذي غالبا ما تسعى الجماعة إلى تدميره و إقصائه وفى أحسن الأحوال تهميشه وعدم الاكتراث به رغبة في استعادة توازنها  واستقرارها من جديد .

ولكن مثل هذا المعنى المعطى للغريب يستدعي أن يكون الأنا (كذات فردية) كلا موحدا متجانسا لا انشطار فيه ولا اختلال حتى يتأتى القول بعدئذ بأن الغريب قد شق هذه الوحدة و زعزع  هذا التوازن , فهل الأمر كذلك بالنسبة للأنا ؟  ألا يمكن القول مع كريستيفا وفرويد بأن « الغريب يسكننا على نحو غريب » ؟ ألا يشكل اللاشعور  حسب فرويد آخرا / غيرا / غريبا يسكننا بشكل غريب ودون استشارتنا بل ويفعل فعله فينا ويجعلنا غرباء عن أنفسنا ؟

و نفس هذا المعنى المعطى للغريب - أعلاه - يتطلب أن تكون الجماعة - المفترض زعزعة استقرارها من طرف الغريب - جماعة متجانسة ومتزنة ومستقرة, ولكن هل الأمر كذلك بالنسبة لمختلف الجماعات الإنسانية ؟ ألا يمكن للجماعة مهما كانت قوة تماسك أفرادها والتحامهم أن تحمل بداخلها غريبها منها قبل أن يقتحمها أجنبي غريب عنها ؟ إذا كان الواحد منا يحمل بداخله غريبه فلما لا تحمل الجماعة ذاتها غرييها بل و حتى غرباءها ؟

حينما نصل إلى مثل هذا الاستنتاج يحق لنا أن نقول : هل من الصائب أن نتخذ من الغير / الغريب موقف التهميش والعداء والإقصاء و لربما الحرب والتنحية الجسدية ... أم موقف القبول والحوار و التسامح والاحترام ؟ إذا كان الغريب بالنسبة للأنا هو الغير أو الأنا الآخر فقد يكون الأنا ذاته غريبا بالنسبة للأنا الآخر ( الغير) , أفلن يتمنى الأنا في مثل هذه الحالة أن يعامل معاملة حسنة ؟  لم لا نعامل الغير (وبالأخص الغريب) مثلما نود أن نعامل أي المعاملة بالمثل على أقل تقدير؟

من هذا يتبدى لنا بأن الموقف من الغريب يجب أن يكون موقفا ايجابيا , موقفا مؤسسا على قبوله  والتحاور والتسامح معه واحترامه ولم لا الدفاع عنه ؟ فإذا كان الوجود البشري الفردي ( الأنا ) والجماعي (النحن ) وجودا ناقصا إذ هو دوما في حاجة إلى الغير الذي يغنيه وينميه بتجربته وعطاءاته على جميع المستويات فإن الحوار مع الغير (القريب والغريب) لن يكون إلا مفيدا للأنا وللأنا الآخر على حد سواء شريطة احتفاظ الأنا والأنا الآخر باستقلالية كل منهما  وهويته واختلافه وتميزه وإلا انعدمت الإفادة والاستفادة .

 

Par PROFESSEUR
Ecrire un commentaire - Voir les commentaires - Recommander
Retour à l'accueil

Présentation

Texte Libre

Recommander

Recherche

Calendrier

Décembre 2009
L M M J V S D
  1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31      
<< < > >>

Créer un Blog

 
Créer un blog sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur - Signaler un abus