Samedi 30 août 2008 6 30 08 2008 14:40


النظرية



I- النظرية من الدلالات إلى الإشكالية:

1-الدلالة العامية المتداولة للنظرية: النظرية عند العامة رأي أو فكر أو قول يقابله الفعل والممارسة والعمل والتطبيق ، فالإنسان النظري عند العامة هو إنسان سطحي حالم بعيد عن الواقع ، إذ النظرية عندهم غير ذات قيمة وما يكسبها قيمتها هو الفعل و العمل أي أن النظرية كأفكار وتصورات وأقوال وآراء ليست ذات قيمة إلا إذا تحولت وترجمت إلى ممارسة و تطبيق على أرضية الواقع.

و لكن الملاحظ عنـد اليونان قديما عكس هذا, لنستمع إلى أرسطو وهو يقول: «الإنسان الذي يهتدي بمعطيات فن (=علم) من الفنون أعلى ممن ينتجون التجربة وحدها، فالمهندس فوق العمال اليدويين، والعلوم النظرية فوق العلوم العملية الخالصة».

2-الدلالة اللغوية:

                                            أ‌-                   اشتقاقا:

 * في اللغة العربية: تشتق كلمة "نظرية" من فعل نظر ينظر بمعنى رأى، أبصر، لمح، ووجه الشبه بين النظر بالعين والنظر بالعقل هو الإدراك. ولكن وجه الاختلاف بينهما يكمن في أننا بالعين ندرك ما هو محسوس وفردي ومرئي وظاهر في حين أننا بالعقل ندرك ما هو معقول وعام وكلي وخفي.

* في اللغة الفرنسية: تشتق كلمة (théorie) الفرنسية من كلمة (théoria) اليونانية المشتقة بدورها من فعل(théorein) بمعنى نظر ولاحظ وتأمل وهنا تلتقي الدلالة الاشتقاقية الفرنسية بل و حتى اليونانية مع الدلالة الاشتقاقية العربية.

                                         ب‌-                اصطلاحا:

* في اللغة العربية: جاء في" لسان العرب لابن منظور" بأن النظرية « ترتيب أمور معلومة على وجه يؤدي إلى استعلام ما ليس بمعلوم ، وقيل النظر : طلب عن علم » فالنظرية ترتيب وتنظيم لمجموعة من المعلومات بطريقة تمكننا من الحصول على معلومات جديدة أي الانتقال من المعلوم إلى المجهول .

*  في اللغة الفرنسية: جاء في معجم Robert تعريفان للنظرية. فأما الأول فيقول:«هي مجموعة من الأفكار والمفاهيم المجردة المنظمة قليلا أو كثيرا والمطبقة على ميدان مخصوص». وأما الثاني فيرى بأنها:« بناء عقلي منظم ذو طابع فرضي…تركيبي».

نستخلص من هذين التعريفين بأن النظرية مجموعة من المعلومات المنظمة بطريقة أو بأخرى والقابلة للتطبيق في مجال ما، وهذا ما يفيد بأن لكل ميدان نظرياته كما أن النظرية ذات طابع فرضي احتمالي إذ هي قابلة للتعديل والتطوير والتغيير وليست ثابتة ولا نهائية ، فكل نظرية إذن هي نظرية مؤقتة و مرهونة بالعديد من المتغيرات و المستجدات العلمية و العملية .

3- الدلالة الفلسفية: جاء في معجم لالاند أن النظرية « إنشاء تأملي للفكر يربط نتائج بمبادئ». فهو يرى في الوقت ذاته بأن النظرية بالإضافة إلى كونها بناء عقليا تأمليا يستهدف الحصول على نتائج عديدة انطلاقا من مبادئ قليلة فإنه يرى بأن للنظرية أربع تقابلات وهي كما يلي:

تتقابل أولا: مع التطبيق والممارسة إذ أن النظرية تستهدف المعرفة بينما يتوخى التطبيق تحقيق المنفعة و الاستفادة المادية.

تتقابل ثانيا: مع المعرفة العامية لكون النظرية ممنهجة ومنظمة بينما تفتقر المعرفة العامية لذلك.

تتقابل ثالثا: مع المعرفة اليقينية لكون النظرية مجرد بناء فرضي احتمالي غير نهائي.

تتقابل رابعا: مع الجزئيات والتفاصيل العلمية لكون النظرية تركيبا كليا عاما يستهدف تفسير عدد كبير من الظواهر بعدد قليل من المبادئ.

4- مفارقات وتساؤلات إشكالية: نستنتج مما سبق أن النظرية بناء عقلي مفاهيمي مجرد يتوخى العموميات والكليات دون الوقوف على التفاصيل والجزئيات ، بناء ذو طابع فرضي احتمالي غير نهائي ولا يقيني , قابل للتطوير و التغيير طبقا للمستجدات في كل وقت و حين. كما أن لكل علم نظرياته قابلة للتطبيق فيه… ولكن هل من علاقة فعلية بين النظرية والممارسة ؟ هل هناك اتصال أم انفصال بينهما ؟ و إذا كان بينهما انفصال فهل هو انفصال طبيعي أم اصطناعي ؟ ثم إذا كانت النظرية عبارة عن ربط لنتائج بمبادئ فمن أين تستمد النظرية مبادئها تلك : هل من العقل أم من الواقع ؟ ما القيمة الحقيقية للنظرية: هل هي مجموعة من الحقائق أم أنها مجرد بناء فرضي ؟ هل هي قارة ثابتة ذات طابع نهائي أم أنها متغيرة متحولة قابلة للزيادة والنقصان ؟ تلك وغيرها هي إشكالية هذا الدرس…

 

II-                  النظرية والممارسة:

       من بين الأحكام التي يصدرها الإنسان على نفسه حكمه بأن الإنسان كائن عاقل أي أنه كائن يفكر ويتأمل و يتخيل ويتصور وينظر… أي انه يكون نظريات. وهناك حكم آخر يرى بأن الإنسان كائن صانع بمعنى أنه وحده القادر على صنع ما هو في حاجة إليه من آلات وأدوات ومعدات بغية العيش الكريم أي أنه يمارس تأثيرا فعليا في الطبيعة. فالإنسان إذن يفكر و ينظر ويمارس ويطبق ولكن ما علاقة النظرية بالممارسة ؟ أهي علاقة اتصال أم انفصال ؟

      جوابا على هذا السؤال  نجد أنفسنا – تجاوزا- أمام أطروحتين :

1-   أطروحة الاتصال: نموذج جان بياجي ومالينوفسكي: و هو موقف يقول بأن الإنسان كائن يفكر وينظر أي لا يمكن أن ينفصل لديه التفكير عن التطبيق أي ( التصورات النظرية عن الممارسة العملية) لأن هناك علاقة جدلية بين النظرية والممارسة عند الإنسان ، أي علاقة أخذ وعطاء متبادلين بين النظرية والممارسة . فالنظرية تفضي إلى الممارسة مثلما أن الممارسة تفضي إلى النظرية. فكل منهما ينتج عن الآخر، ومن هنا فالنظرية متصلة اتصالا وثيقا بالممارسة فهما متلازمتان تلازم الفكر والصنع لدى الإنسان.

2-   أطروحة الانفصال: نموذج غاستون باشلار: وهو يرى بأن النظرية العلمية لابد لها من أن تنفصل عن الممارسة العامية لأن الممارسة العامية تشكل بالنسبة للنظرية العلمية عائقا ابستيمولوجيا أي حاجزا يحول دون تقدم العلم ، فهو يرى بأن العالم متى اعتمد على الممارسة اليومية في بناء تصوراته النظرية وقع في الخطأ وبالتالي سيشكل هذا الخطأ عائقا يحول دون تقدمه. فالانفصال هنا ليس انفصالا طبيعيا بل انفصالا اصطناعيا. فهو يرى بأن كل إنسان (عالم) يحمل بين أحشائه إنسانا عاميا. ومن تم بات على العالم أن يتخلص من الجانب العامي فيه بحيث لا يأخذ إلا بالرأي العلمي النظري العقلي الصرف وذلك بغية اتقاء الوقوع في الخطأ وإن كان يرى بأن من لم  يخطئ قط لم يصب قط إذ أن من الخطأ يتعلم الإنسان.

خلاصة هذه الأطروحة أنه من الواجب علينا إحداث قطيعة ابيستيمولوجية اصطناعية بين التصورات النظرية العلمية والممارسة العملية العامية وذلك نظرا لاختلافهما شكلا ومضمونا عن بعضهما البعض: فالنظرية العلمية تتوخى الحصول على الحقيقة في حين أن الممارسة العملية تستهدف تحقيق المنفعة , كما أن النظرية العلمية تتأسس على العقل في الوقت الذي تنبني فيه الممارسة العملية العامية على الحس المشترك المتمثل في الانطباعات و الأحاسيس , أضف إلى ذلك أن النظرية العلمية بناء ممنهج صارم بينما الممارسة العامية فعل عشوائي يخلو من كل ضبط و تدقيق...

        نستنتج من الأطروحتين السابقتين أننا أمام نمطين من النظرية: نظرية مقترنة بالممارسة العملية اليومية وهي نظرية تستهدف تحقيق المنفعة، ونظرية عقلية خالصة تتوخى الحصول على المعرفة وخلاصة القول أن الإنسان في حاجة لكليهما معا. ذلك لأن الأولى تمدنا بنفع مادي والثانية تمدنا بنفع معنوي.

Par PROFESSEUR
Ecrire un commentaire - Voir les commentaires - Recommander
Retour à l'accueil

Présentation

Texte Libre

Recommander

Recherche

Calendrier

Décembre 2009
L M M J V S D
  1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31      
<< < > >>

Créer un Blog

 
Créer un blog sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur - Signaler un abus