النظرية
I- وظائف النظرية:
يقول بول فولكييPaul FOULQUIE)) في تعريفه للنظرية : « النظرية بناء عقلي يتم بواسطته ربط عدد من القوانين بمبدأ يمكن أن تستنتج منه بدقة وصرامة» فالنظرية حسب هذا التعريف عبارة عن إنشاء أو بناء أو تكوين تأملي فكري عقلي نربط من خلاله عددا كبيرا من النتائج أو القوانين المستخلصة من التجارب والظواهر الطبيعية بعدد قليل من المبادئ المفسرة لها. ولكن ما هو المبدأ وما هو القانون ؟ ثم ماهي مختلف الوظائف التي تؤديها النظرية داخل سياق العلم ؟
يمكن القول تجاوزا بأن هناك ثلاثة وظائف تؤديها النظرية العلمية و هي :
1- الوظيفة الرمزية: السؤال المطروح هنا هو متى تؤدي النظرية العلمية الوظيفة الوصفية-الرمزية ، جوابا على هذا السؤال يمكن القول بأن النظرية العلمية تؤدي الوظيفة الوصفية-الرمزية حينما تربط ظاهرة طبيعية مدروسة بظاهرة تلازمها في الحدوث أي حينما تصف الطبيعة بالطبيعة ذاتها أو حينما ترجع سبب الظواهر الطبيعية إلى ظواهر طبيعية أخرى ( مثل : ربط تساقط الأمطار كظاهرة طبيعية بتكون السحب , و هذه بتبخر المياه , و هذه ذاتها بارتفاع درجة حرارة الأرض ...الخ ) . هنا تقف النظرية العلمية على الجواب عن السؤال كيف حدثت هذه الظاهرة أو تلك ؟ فالنظرية تؤدي الوظيفة الوصفية-الرمزية حينما تقرر ما هو كائن وتقف عند حدوده بأن تعرفه دون زيادة أو نقصان .
2- الوظيفة التفسيرية: و تتمثل في البحث عن أسباب الظواهر الطبيعية عن طريق ربطها بمبادئ أو مبدأ يفسرها، فالنظرية التي تؤدي الوظيفة التفسيرية هي التي لا تكتفي بإرجاع الظواهر الطبيعية إلى الطبيعة ذاتها بل تبحث لها عن سبب بعيد يفسرها يسمى المبدأ وهو دائما خارج عن الطبيعة وهكذا نستنتج بأن النظرية التفسيرية تربط الظواهر الطبيعية بمبادئ مما وراء الطبيعة أي أنها تربط الفيزيقا بالميتافيزيقا ، فهي إذن تسعى إلى الجواب على السؤال لماذا حدثت هذه الظاهرة أو تلك ؟ مثال ذلك أن نيوتن كان يقول دائما ناصحا علماء عصره« أيتها الفيزياء حذار من الميتافيزيقا» ولكنه مع الأسف سرعان ما وقع هو نفسه فيما حذر منه الآخرين وذلك حينما فسر الظواهر الطبيعية بمبدأ ما ورائي: فقد استنتج نيوتن من دراسته لتساقط الأجسام أن سرعة هذه الأخيرة تختلف باختلاف الوسط الذي تسقط فيه أي أنه فسر ظاهرة طبيعية بأخرى . وهنا أدت نظريته الوظيفة الوصفية-الرمزية , ولكنه أضاف بأن السر وراء تساقط الأجسام هو وجود الجاذبية ، إلا أن الملاحظ أن مبدأ الجاذبية غريب عن الطبيعة إذ أنه مفهوم ميتافيزيقي جئ به لتفسير ظواهر فيزيقية بمعنى أن نيوتن هنا قد أرجع الظواهر الطبيعية إلى ما وراء الطبيعة .و بهذا كانت نظريته الفيزيائية نظرية تفسيرية فهي تخرج عن العلم لتقع في اللاعلم وبذلك تقلص عدد المؤمنين بها ليصبحوا هم الذين يؤمنون بالمرجعية الميتافيزيقية المعتمدة فيها.
1- الوظيفة التنبؤية: تبنى أساسا على الربط في ما بين المعارف السابقة المتوفرة لدينا للكشف عن النتائج التي من الممكن أن تترتب عنها(خير مثال لها وظيفة الأرصاد الجوية التي تمكننا من التنبؤ بما سيحدث قبل حدوثه) ، والمبدأ الأساسي الذي تنبني عليه النظرية التنبؤية هو مبدأ الحتمية الذي يفيد بأن توفر نفس الأسباب أو الشروط يؤدي بالضرورة إلى نفس النتائج ، وبطبيعة الحال أن تغير هذه الأسباب يؤدي إلى تغير النتائج .إلا أن قدرة النظريات العلمية على التنبؤ بما سيحدث قدرة محدودة وذلك نظرا لتغير أسباب وشروط الظواهر و تعذر الإحاطة بها كلية (و بالأخص في المجال الميكروسكوبي) الشيء الذي يؤدي إلى نسبية النتائج المتحققة عن طريق التنبؤ أو ببساطة يؤدي إلى الاحتمال عوض الحتمية (و هذا ما نلمسه بوضوح في مقارنتنا بين توقعات الأرصاد الجوية من جهة و ما يطرأ على أرضية الواقع من جهة ثانية ) .
التساؤل المطروح هنا هو: ما نوع العلاقة الرابطة بين النظرية والواقع المادي المدروس ؟ أو بتعبير آخر , أيهما أساس وجود الآخر : النظرية أم الممارسة ؟
جوابا على هذا التساؤل نعرض بإيجاز شديد لأطروحتين و ذلك كما يلي :
1- الواقع التجريبي أساس النظرية: فالواقع التجريبي هنا أو الواقع المادي الموضوعي القابل للإدراك الحسي يلعب دور الأساس الذي ينبني عليه التصور النظري بحيث أن الواقع التجريبي أسبق في الوجود من النظرية إذ أن هذه الأخيرة تستمد معطياتها وقوانينها من التجارب المجراة في أرضية الواقع المادي ( مثال ذلك أن النظرية الفيزيائية النيوطونية انبنت على أساس مختلف التجارب التي قام بها نيوطن ومساعدوه في المختبر وفي الواقع ) .
2- الواقع التجريبي أداة قياس النظرية: وهنا يتراجع دور الواقع التجريبي إذ تعطى الأولوية والأسبقية في الوجود لبناء النظرية وبعدها نلتجئ إلى الواقع التجريبي بهدف التحقق من مدى صحة أو خطأ تلك النظرية . فالواقع التجريبي هنا يلعب دور أداة القياس ، ومن الطبيعي بل و حتى المنطقي أن يسبق المقيس أداة قياسه من حيث الوجود (مثال ذلك أننا في الميكروفيزياء نبتدئ أولا باقتراح مجموعة من الأفكار ذات الطابع الفرضي , ثم ثانيا نربط في ما بينها بعلاقات منطقية , وثالثا نستنبط منها مجموعة من النتائج لا ندري أهي صحيحة أم خاطئة , وأخيرا نلتجئ إلى الواقع التجريبي الذي إما يؤكد أو يفند هذه النظرية ) .
وخلاصة القول أن الواقع في العلم المعاصر واقعان:
v واقع ماكروسكوبي: أي واقع مؤثت بأجسام وكائنات كبيرة قابلة للإدراك الحسي أو بواسطة المجهر العادي ، وهنا تكون التجربة أسبق من التنظير بل وأساسا للنظرية .
v واقع ميكروسكوبي: هو واقع الكائنات الذرية الدقيقة المتناهية في الصغر كالإلكترونات والنوترونات و الفوتونات وهي لا ترى حتى بالمجهر الإلكتروني و بالأحرى المجهر العادي ناهيك عن العين المجردة . وهنا يكون التنظير أسبق من التجريب إذ يلعب الواقع التجريبي دور المعيار أو المقياس الذي يثبت أو ينفي مدى مصداقية هذه النظرية أو تلك .
والنظرية على العموم سواء أكانت سابقة على الواقع التجريبي أو مسبوقة به فإنها تستهدف الحصول على الحقيقة. و
لكن ما هي الحقيقة ؟
| Décembre 2009 | ||||||||||
| L | M | M | J | V | S | D | ||||
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | |||||
| 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | ||||
| 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | ||||
| 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | ||||
| 28 | 29 | 30 | 31 | |||||||
|
||||||||||